ظننتها شعارات على الجدران... حتى رأيتها تعيش بينهم
قبل سنوات، ظننتُ أن فهم المؤسسة لا يتجاوز هيكلها التنظيمي والقيم المعلّقة على جدرانها. ثم اكتشفتُ الطبقة الأعمق التي تُحرّك الشركات فعلاً — ما تؤمن به في أعماقها، أيديولوجيتها — وكيف تتحوّل مع الوقت إلى ثقافة حيّة يعيشها الجميع.

في بداياتي المهنية، كنت أمتلك ثقة كبيرة في قدرتي على فهم عالم الشركات... وربما ثقة أكبر مما ينبغي.
كنت أعتقد، بكل بساطة، أن فهم المؤسسة لا يحتاج أكثر من قراءة الهيكل التنظيمي، والاطلاع على رؤيتها ورسالتها، وربما المرور سريعًا على تلك القيم الجميلة التي تُكتب بعناية وتُعلّق — ثم نُقنع أنفسنا بأنها أصبحت جزءًا من هوية الشركة. وكنت أظن حينها أنني بدأت أفهم كيف تُدار المؤسسات.
لكن مع مرور السنوات، اكتشفت أنني كنت أرى المشهد... لا كاملًا، وأغفل الجزء الأكثر تأثيرًا فيه.
فخلف كل مؤسسة ناجحة أو متعثرة، هناك شيء لا يظهر في التقارير، ولا يمكن العثور عليه في الوصف الوظيفي، ولا يُختصر ببساطة في عبارة "الثقافة المؤسسية" كما اعتدت أن أعتقد.
شيء أعمق بكثير.
شيء جعلني أدرك لاحقًا أن المؤسسات — تمامًا كالبشر — لا تتحرك فقط بما تعلنه عن نفسها... بل بما تؤمن به في أعماقها، حتى وإن لم تتحدث عنه يومًا بصوتٍ عالٍ.
أتذكر جيدًا أحد الاجتماعات التي جمعتني بإحدى الشركات الريادية، وهي زيارة بدت في ظاهرها اعتيادية، لكنها تركت في داخلي شيئًا لم أستطع تجاهله لاحقًا.
كنت أسير في أروقة الشركة، أراقب المكان بعين الزائر المعتاد؛ التصميم متقن، المساحات مريحة، التفاصيل مدروسة بعناية... وهو أمر أصبح مألوفًا في كثير من بيئات العمل الحديثة.
(أممم... حتى شذى المكان لطيف، ويمنحك ابتسامة دون أن تشعر.)
لكن ما لفت انتباهي لم يكن المكان.
كان الناس.
كل شخص مرّ بي هناك بدا وكأنه يحمل شيئًا مشتركًا يصعب وصفه بدقة. لم تكن المسألة تتعلق بالحماس المعتاد الذي نراه في فرق العمل، ولا بذلك الانطباع المهني الذي اعتدنا ربطه بالشركات الناجحة.
كان هناك شيء آخر.
شيء يجعل الجميع يتحركون وكأنهم جزء من إيقاع واحد، رغم اختلاف أعمارهم، وخلفياتهم، وتجاربهم، وحتى شخصياتهم التي يفترض أنها متباينة.
(غريب... من أين يأتي كل هذا الانسجام؟)
واصلت مراقبتي وأنا أحاول أن أفهم ما الذي يجعل هذا العدد من الأشخاص المختلفين يبدون وكأنهم امتداد لفكرة واحدة.
(هل هو أسلوب القيادة؟ بيئة العمل؟ أم أن هناك شيئًا آخر لم أنتبه له بعد؟)
في تلك اللحظة، بدأت أشعر أنني أقف أمام شيء أكبر بكثير من مجرد ثقافة مؤسسية ناجحة كما كنا نحب أن نصفها دائمًا.
كان هناك شيء غير مرئي...
شيء يجعل المؤسسة لا تبدو كمجموعة أفراد يعملون معًا، بل ككيان حي يتحرك من الداخل بطاقة واحدة.
في تلك اللحظة، عاد إلى ذهني مفهوم مررت به ذات يوم خلال سنوات الدراسة.
الأيديولوجيا.
أتذكر أنني تعاملت معه آنذاك كمصطلح نظري يرتبط غالبًا بالسياسة أو الفلسفة أو الحركات الفكرية، ثم مضيت دون أن أتخيل أنني سأقف يومًا أمام تجسيد حي له داخل شركة.
لكن ما أدركته لاحقًا أن الأيديولوجيا، ببساطة، هي مجموعة المعتقدات العميقة التي تشكل الطريقة التي يرى بها الكيان نفسه، ويفسر بها العالم من حوله.
هي الفكرة التي تمنح المؤسسة اتجاهها الداخلي، وتؤثر في الطريقة التي تتشكل بها قراراتها وسلوكياتها مع مرور الوقت.
ومن هنا تبدأ علاقتها الوثيقة بالثقافة المؤسسية.
فالثقافة التي نراها داخل المؤسسات — في أسلوب العمل، وطريقة التفاعل، والقرارات اليومية، وحتى السلوك الجمعي للأفراد — لا تتشكل بمعزل عن منظومة أعمق من القناعات والمبادئ التي يتبناها الكيان منذ بداياته.
ويمكن القول إن الاهتمام بهذا المفهوم بدأ يتسلل تدريجيًا إلى عالم الشركات مع تطور الدراسات الإدارية والسلوك التنظيمي خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي.
فالشركات، في نهاية الأمر، لا تُبنى فقط على منتجات أو خدمات تقدمها للسوق...
بل على أفكار تؤمن بها، ثم تتحول هذه الأفكار مع الوقت إلى ثقافة حيّة يعيشها الجميع داخل المؤسسة.
ولعل واحدة من أكثر القصص التي استوقفتني وأنا أتأمل هذا المعنى كانت قصة Sony.
في عام 1946، اجتمع Masaru Ibuka و Akio Morita في طوكيو بعد الحرب العالمية الثانية لتأسيس شركة صغيرة لم تكن تملك الموارد، لكنها امتلكت شيئًا أكثر أهمية: فكرة واضحة حول الابتكار وإثبات قدرة اليابان على تقديم منتجات عالمية استثنائية.
منذ البداية، لم تكن الغاية مجرد بيع أجهزة إلكترونية.
بل بناء شركة تعبّر عن إيمان عميق بأن الابتكار والتميز الهندسي يمكن أن يكونا وسيلة لإعادة صياغة صورة اليابان أمام العالم.
ومع مرور السنوات، لم تبقَ هذه الفكرة مجرد قناعة لدى المؤسسين.
بل بدأت تنعكس تدريجيًا في طريقة التفكير، والجرأة على التجريب، والاستعداد المستمر لتقديم شيء مختلف.
وهكذا لم تكن ثقافة Sony شيئًا بُني لاحقًا...
بل انعكاسًا حيًا لفكرة آمن بها المؤسسون منذ اليوم الأول، ثم عاشها الجميع داخل المؤسسة لعقود طويلة.
لأن الكيانات، في نهاية الأمر، لا تتكوّن فقط من جدران، أو هياكل تنظيمية، أو حتى أفكار تُكتب بعناية في وثائق داخلية.
فالذي يبني هذه الكيانات، ويعمل داخلها، ويمنحها معناها الحقيقي... هو الإنسان.
والإنسان، بطبيعته، لا يتحرك فقط عبر المهام اليومية، بل يعيش من خلال هويته، ومنظومة القيم التي تشكّل ثقافته وتحدد طريقة تفاعله مع العالم من حوله.
ومن الطبيعي إذن، أن يبحث داخل الشركة — ذلك المكان الذي يقضي فيه ما يقارب ثلث حياته — عن مساحة يشعر فيها بالانسجام مع الآخرين، وعن ثقافة تمنحه شعورًا أوضح بالمعنى، والانتماء، والارتباط بما يقوم به كل يوم.
لكن كلما تعمقت أكثر في فهم العلاقة بين الإنسان والثقافة داخل المؤسسات، بدأت ألاحظ جانبًا آخر لا يقل أهمية.
فالثقافة التي تمنح المؤسسات انسجامها الداخلي، قد تتحول أحيانًا — دون أن يشعر أصحابها — إلى مساحة مغلقة يصعب مساءلتها.
فعندما تترسخ القيم لفترات طويلة، يبدأ الأفراد أحيانًا في التعامل معها باعتبارها حقائق ثابتة لا تحتاج إلى إعادة نظر.
وهنا تبدأ المفارقة.
فما كان يومًا سببًا في تماسك المؤسسة، قد يصبح لاحقًا السبب ذاته الذي يمنعها من رؤية ما تغيّر حولها.
وكأن الثقافة التي صُممت لتوحّد الجميع... أصبحت بهدوء تمنعهم من التفكير خارج ما اعتادوا عليه.
ولعل هذا الوجه الآخر للثقافة المؤسسية يذكرنا بأن بناء الكيانات لا يبدأ فقط بزرع القيم...
بل أيضًا بالقدرة المستمرة على مراجعتها.
وربما يكون هذا حديثًا يستحق أن نتوقف عنده باستفاضة في مقال قادم!!